علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
14
الصداقة والصديق
ذو حساسية تكاد تكون مرضية ، طلعة ، همه الاتصال بالناس ومشاركتهم عاطفيا وفكريا ، واجدا في عشرتهم سلوى وتعويضا عما لحقه من إخفاق في حياته العملية ، ووسيلة إلى تفريغ هذا المخزون العاطفي الذي لازمه ، وأنسا عن غربة ووحشة شعر بهما منذ مطلع حياته حتى نهايتها ، ألم يقل إن في حديث الصداقة « شفاء للصدر ، وتخفيفا من البرحاء ، وانجيابا للحرقة ، واطّرادا للغيظ ، وبردا للغليل ، وتعليلا للنفس » . ثم إن هناك عاملا آخر دفعه إلى التعلق بروابط الصداقة والحرص على الصديق هو التصوف ، ومن المعلوم أن التوحيدي اعتنق التصوف في مستهل شبابه ، ومهما قيل في التصوف فإنه لا يعدو كونه نزعة وجدانية تبني العلاقات على الروحانيات لا الماديات ، وتقوي الصفاء النفسي ، والتجرد المادي والخلقي ، في إطار من المثالية والنزعة الإخوانية اللطيفة . 4 - كتاب الصّداقة والصّديق : كان التوحيدي كثير اللهج في أحاديثه بموضوع الصّداقة والصّديق ، كثير التحدّث عنه والإكثار من ذكره لعلوقه بنفسه وارتباطه بحياته الوجدانية ، فقد كان مسوقا بحكم الواقع والذوق الأدبي والضرورة إلى أن يفرد لهذا الموضوع الذي يشغل باله كتابا خاصا ، وظلت الأمنية تراوده إلى أن كانت سنة 400 ه ، فأتم العمل بناء على رغبة صديقه ووليّ نعمته الوزير ابن سعدان بعد أن كان قد سمع منه بمدينة السلام كلام في الصّداقة والعشرة والمؤاخاة والألفة . . . وسئل إثباته ففعل ووصل ذلك بجملة ما قاله أهل الفضل والحكمة ، وأصحاب الديانة والمروءة ليكون ذلك كله رسالة تامة على أن يستفاد منها وينتفع بها في المعاش والمعاد » ، ويظهر أن ظروف الحياة ، واضطراب الأحوال حملت التوحيدي على إهمال مشروعه أكثر من